صفي الرحمان مباركفوري
295
الرحيق المختوم
المدينة لليلة بقيت من المحرم ومعهم ثمامة بن أثال الحنفي سيد بني حنيفة ، كان قد خرج متنكرا لاغتيال النبي صلى اللّه عليه وسلم بأمر مسيلمة الكذاب « 1 » ، فأخذه المسلمون ، فلما جاءوا به ربطوه بسارية من سواري المسجد ، فخرج إليه النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : « ما عندك يا ثمامة ؟ » فقال : عندي خير يا محمد ، إن تقتل تقتل ذا دم ، وإن تنعم تنعم على شاكر ، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت ، فتركه . ثم مرّ به مرة أخرى ، فقال له مثل ذلك ، فرد عليه كما رد عليه أولا ، ثم أمر مرة ثالثة فقال : بعد ما دار بينهما الكلام السابق - أطلقوا ثمامة ، فأطلقوه ، فذهب إلى نخل قريب من المسجد ، فاغتسل ، ثم جاءه فأسلم ، وقال : واللّه ما كان على وجه الأرض وجه أبغض إليّ من وجهك ، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إليّ ، وو اللّه ما كان على وجه الأرض دين أبغض عليّ من دينك ، فقد أصبح دينك أحبّ الأديان إليّ ، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة ، فبشره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأمره أن يعتمر ، فلما قدم على قريش قالوا : صبأت يا ثمامة ، قال : لا واللّه ، ولكني أسلمت مع محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ولا واللّه لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وكانت يمامة ريف مكة ، فانصرف إلى بلاده ، ومنع الحمل إلى مكة ، حتى جهدت قريش ، وكتبوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يسألونه بأرحامهم أن يكتب إلى ثمامة يخلي إليهم حمل الطعام ، ففعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 2 » . غزوة بني لحيان بنو لحيان هم الذين كانوا قد غدروا بعشرة من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالرجيع ، وتسببوا في إعدامهم ، ولكن لما كانت ديارهم متوغلة في الحجاز إلى حدود مكة ، والتارات الشديدة قائمة بين المسلمين وقريش والأعراب ، لم يكن يرى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يتوغل في البلاد بمقربة من العدو الأكبر ، فلما تخاذلت الأحزاب ، واستوهنت عزائمهم ، واستكانوا للظروف الراهنة إلى حد ما ، رأى أن الوقت قد آن لأن يأخذ من بني لحيان ثأر أصحابه المقتولين بالرجيع ، فخرج إليهم في ربيع الأول أو جمادى الأولى سنة 6 ه في مائتين من أصحابه ، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم ، وأظهر أنه يريد الشام ، ثم أسرع السير حتى انتهى إلى بطن غران - واد بين أمج وعسفان ، حيث كان مصاب أصحابه ، فترحم عليهم ودعا لهم - وسمعت به بنو لحيان ، فهربوا في رؤوس الجبال ، فلم يقدر منهم على أحد ، فأقام يومين بأرضهم ، وبعث السرايا ، فلم يقدروا عليهم ، فسار إلى عسفان ، فبعث
--> ( 1 ) السيرة الحلبية 2 / 297 . ( 2 ) زاد المعاد 2 / 119 ، مختصر سيرة الرسول للشيخ عبد اللّه النجدي ص 292 ، 293 .